ابراهيم بن عمر البقاعي
516
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
رفع واحدا منهما فرق ذلك فقد أطراه ، ومن نقصه عنه فقد ازدراه ، فالقصد العدل بين الإفراط والتفريط باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليه السّلام الرسالة ، وأكمل صفات أمه الصديقية . ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن رتبة الإلهية ، ذكر أبعد الأوصاف منها فقال : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ وخص الأكل لأنه مع كونه ضعفا لازما ظاهرا هو أصل الحاجات المعترية للإنسان ، فهو تنبيه على غيره ، ومن الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلا ، وقد اشتمل قوله تعالى وَقالَ الْمَسِيحُ وقوله كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] على أشرف أحوال الإنسان وأخسها ، فأشرفها عبادة اللّه ، وأخسها الاشتغال عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات . ولما أوضح ما هو الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادعوه فيهما ، أتبعه التعجب من تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ذلك البيان فقال : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ أي نوضح إيضاحا شافيا العلامات التي من شأنها الهداية إلى الحق والمنع من الضلال ؛ ولما كان العمى عن هذا البيان في غاية البعد ، أشار إليه بأداة التراخي فقال : ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى أي كيف ومن أين ؛ ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به ، لا كونه من صارف معين ، بني للمفعول قوله : يُؤْفَكُونَ * أي يصرفون عن الحق وبيان الطريق صرف من لا نور له أصلا من أي صارف كان ، فصرفهم في غاية السفول ، وبيان الآيات في غاية العلو ، فبينهما بون عظيم . ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات ، أتبعها نفي ذلك من حيث الصفات ، فقال منكرا مصرحا بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلا للإقبال عليهم : قُلْ أي للنصارى أيها الرسول الأعظم أَ تَعْبُدُونَ ونبه على أن كل شيء دونه ، وأنهم اتخذوهم وسيلة إليه بقوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ ونبه بإثبات الاسم الأعظم على أن له جميع الكمال ، وعبر عما عبدوه بأداة ما لا يعقل تنبيها على أنه سبحانه هو الذي أفاض عليه ما رفعه عن ذلك الحيز ، ولو شاء لسلبه عنه فقال : ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا أي من نفسه فتخشوه وَلا نَفْعاً أي فترجوه ، ليكون لكم نوع عذر أو شبهة ، ولا هو سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في أي مكان كان ، ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك ، وكل ما يملك من ذلك فبتمليك اللّه له كما ملككم من ذلك ما شاء . ولما نفى عنه ما ذكر تصريحا وتلويحا ، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال : وَاللَّهُ أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال كله هُوَ أي